الجمعة، 4 سبتمبر 2015

لخضرةِ أرضِنا وهجُ العيونُ "إلى الشهيد محمّد أبو خضير "



لخضرةِ أرضِنا وهجُ العيونُ
لفجركَ يا محمّدُ ضوءُ اشتهائي ،

فنمْ في وحشةِ الأرضِ اعتكافاً
ونمْ فرحاً بما يتْلو غنائي ،

لكَ الزيتونُ والأحلامُ تغفو
لكَ القدسُ الشهيدةُ وانتمائي ،

رأيتُكَ تحت أمطارِ جُرحي
تُنادي كالصهيلِ هُنا ابتدائي ،

ولمْ تهْدأْ خُيولُ الروحِ فينا
فَتحيا أنتَ تحيا في دِمائي ،

فهاتَ يديكَ واتبعْني سريعاً
فلمْ يَعُد النّداءُ إلى نِدائي ،

وفي عربٍ مشوا صوب الصحاري
حُفاة الصوتِ والخبزُ اشتهائي ،

فوجْهُكَ يا مُحمّدُ كانَ ينمو 
كأوراقِ الخُزامى كالضياءِ ،

ويقْرأُ في الليالي ما تبقّى –
لنا من شعرِ عُشّاقِ الفداءِ ،

غداً ستحدّثُ الأيّامُ فينا
فيا ابن الخُضير الموتُ دائي ،

سلاماً للسماءِ على بلادي
سلاماً للسماءِ على سمائي ،.


شعر : با سل عبد العال
4|7|2014
 

" هُتاف لاجىء في جرح أسير "


وقفتُ في الصحراءِ عاريّاً من كلّ شيءٍ إلا الصمت كان يخترقُني كصوتِ الريح حين تعوي في داخلي ،إنه المنفى القصيّ الذي قذفني من زمنٍ إلى زمنٍ آخرٍ حيث صرتُ أرى الوطن من بعيدٍ أقرب ، أحسّهُ ، ألمسهُ بين أصابعي ، كلّ الوطن في داخلي ، وفي كلماتِ هذا النص ، كلّ ما يدورُ ، كل ما يحدثُ من ظلامٍ ونارٍ على ترابِ الأرض ، أرضي كان يشتعلُ في نفسي الأسيرة في سجنها الصحراويّ الخاص قلتّ مرةً : هم سبايا في التّرابِ ونحن سبايا في المخيمات والشتاتِ على الحدود التي ما زالت مقفلة ، لا أحد يقترب ، لا أحد يرانا من خلف أسلاك الموت ، فرحتُ أهتفُ خاشعاً لليل السجون وقهر البلاد وكلّما شعرتُ بلسعةِ الجرحِ أكثر ، ذرفتُ دمعاُ على جوعِ الأسير الطويلِ في زنازين الأرضِ أمام عدوٍّ وحشيٍّ وصديقٍ أعمى من قريبٍ من بعيد ، كلّ أسيرٍ ينزفُ في فمهِ ملح الحياة ،وتمرُّ الأسماء من هنا ومن هناك ، إلى متى سأظلُّ هنا ؟ ويظلّ الزّمان يشبه الغابة وأظلُّ وحدي في مرايا الصحراء والخوف من الحاضر والماضي وما تبقى من جراحي ، إلى متى أسألُ الريح والصمت معاً ؟ حيث اختفى كلّ شيءٍ حتى نزوحي من خيمةٍ إلى خيمةٍ في الهباءِ والدمارِ وغموضِ المصير ، أين أنا ؟ وأين الفصول ؟ وكنتُ أحبُّ الخريف والصيف حيث سطوع الشمس التي كنتُ أقرأُ فيها فجر القدس الأول فأُصاب بلوعةِ الإحتراق والاستياقِ للعودةِ إلى ذاتي وإلى حلمي المنشود ، لماذا كلّما التفتُ إلى نواحي الشروق سقطت دمعتي وازدحمت نبضاتي في عشقها الأول للصلاةِ والانسجامِ على المكان الغائبِ عن أضلاعي والحاضرِ في ثناياي ، كنتُ واقفاً ولم يغب عنّي سوى صورتي في عويل الأشياء ، حلمتُ ثانيةً بأنّ حرّيّتي تأتي وتذهب في خضمّ الأسئلة عن التاريخ والنكباتِ ، تعبرُ من أمامي واحدةً ، واحدةً ،" نهر البارد "" اليرموك "فلسطين " باب الشمس " عواصف في الربيع وأمنيات الحصان للصعودِ إلى سفح الكرمل ، وأغاني جدّي البسيطة عن " الغابسية " في قضاء عكّا المجروحِ بالشوكِ والمستوطناتِ والمدفون حيّاً في رمادِ الأرض ،أمدُّ يدي لكي أعيد الصورة فتهربُ فجاءةً من منامي إلى كوابيسي ، استيقظتُ ملوّناً بالأصفرِ والأحمرِ وتذكّرتُ لون الضوءِ، يا ليتهُ يعود ، ما أجمل قرّيتنا ، وما أصعب التّأمل من شرفة الغيبِ على غيومِ الصحراءِ ،كلّ شيءٍ اختفى وبقي المنفى يلعب في الأفكار والهواجس ، رسالتي الشعر أدافعُ فيها عن عدالة قضيّتي ومفتاح جدّي وأسرى الشتاتِ وروح المرابطين في ليل الصمود حتى السماء تبعث نورها إلى الأرض ، ويعمُّ السلام ، سلام الله على درب المسيح عليه السلام ، أواصل سيري في مسيرتي نحو الآلام والاعترافات في حضرة الشمس ، جوعي وعطشي كالذين رأيتهم في القيود والحصار المرير في أسطورةٍ فلسطينية الملامح والايقاع تكبرُ فيهم وتحملهم ، أعلى ثمّ أعلى ، كيف يجوعون وتملأ أمعاءهم صورة القدس من بعيد ، كالأم الحنون وحدها القدس ، وحدها فلسطين تنادي في الظلمات ، أعيدوا البوصلة إلى جهاتي كلّها كي تجدوني في حناجركم في زمن الدمّ الفائضِ ومواسم السفر الجماعيّ إلى المجهولِ ، ولدتُ فيكم من رحم المعاناة الأولى وها أنا ما زلتُ معكم في الحروب والهروب والأمكنة ألمع فيكم كالجوهر ، كالروحِ في الجسد المعلّق على صليب الغربة ، طاب مساءكم ، فتصبحون على "فلسطين".

باسل عبد العال

17/2/2013

ذكرى النكبة 67 والتراجيديا المنفى التسلسيّ



هُنا . الآن ، في منتصفِ شهر أيّار ، أتذكّرُ بعضاً من حكايا اللجوء الأوّل الذي رواها لنا جدّي وكتبها في ما بعد والدي عن قريتِنا التي أصبحت أرضاً مزنرةً ومسجونةً بالأسلاكِ الشائكةِ وكتب عليها بالعبرية " ممنوع الإقتراب "  قريتني " الغابسية " التي تقع في شمال شرق مدينة "عكّا"  أرض الأسوارِ والبحرِ ، في كُلِّ عامٍ تدورُ الحكاية في رأسي تعجُّ بالأحداث ، يمرُّ الزمان من المكانِ والذاكرة ويبقى العامُ يراوحُ في العامِ الذي مضى وما يزالُ الجرحُ جرحاً ، والنكبةُ نكبة بل نكباتٍ من هُنا وهُناك ، كان لجدّي بيت ككلّ البيوت من حجرٍ قديمٍ ومزرعةٍ قريب مسجد القرية الصغير وفرس بيضاء تمكثُ بين الأشجارِ والبيوت ، قبل النكبة هكذا روى جدّي لنا ، كلُّ المشاهد والكلماتِ ما زالت تعششُ فينا لتخرج بطريقةٍ أخرى كالخيالِ والأحلامِ المنثورةِ في داخلنا ، شيءٌ يأبى الإنكسار ، ندبٌ تستوطن القلب والروح ، ولا جواب لأسئلةِ الوجع ، مهما تغرّبنا أو شرّقنا نظلُّ نحن نحنُ أبناء الوجع ، لا وجعَ أقلُّ ولا وجع أكثرُ .
 في أيّارُ 1948 خرج جدّي والعائلة من قريتهِ ومن عكّا صوب جنوب لبنان والفرس البيضاء تصهل خلفهم وتركض ثم تسقط على الرمل وتنهضُ ثانيةً كأنّها تناديهم ، عودوا ، ولكنها حين وصلت إلى حدود بلدٍ آخر ، صهلت صهيلاً طويلاً وعادت ثانيةً من خلفهم وتركتهم يعبرون إلى الأمام ، وأبت إلا أن تعود ولو وحيدة ، وكأنها تعلم بأنهم يمضون إلى مجهولهم السرمديِّ إلى جهاتٍ لا يعلموها ، ربّما لا تريد أن تنام الليل في خيمة ، ربّما لا تريد الموت في خيمة ،  عادت الفرس وماتت في القرية أمام الشمس والأعداء ،  ولكنّها عادت ، وبكى جدّي حين سرد الحكاية لوالدي وقال :  لو مُتُّ مع الفرس كان أفضل من هذا الموت البطيء "  المخيم" . مضى الكلام والوقت والدمعُ معاً ،  مضى كلُّ شيءٍ 67 عاماً ، وتستمرُّ الحكاية إلى حكاياتٍ أخرى بطعم النكبةِ المرّ حيث أبطالها العائدون من المعركة والماكثون في الذاكرة ، جدّي وأبي ثمّ أنا ، من زمن القريةِ المغتصبة إلى زمنِ النضال والمخيم وبداياتِ الملاحم الكبرى واللجوء ، إلى زمني أنا ، هنا . الآن ، كلُّ الجراح الجديدة والجراحِ الأخيرة ، لا نكبة أوسعُ من نكبتِها ولا موت أضيق من هذا الرحيل الخُرافيِّ ، رحلنا معاً من خيمةِ " القماش "  إلى خيمةِ " الزينكو "  حتّى خيمة " الحجر "  ما أطول الزمن فينا وهذا التطوّر الشتاتيّ فينا ، ومن خيمةٍ على الطابق الأول حيث جدّي إلى خيمةٍ على الطابق الثاني حيث أبي إلى خيمة الطابق الثالث حيث أنا ، إلى السطوح ومشهد المخيّم التراجيديّ ، تراجيديا المنفى التسلسيّ ، هل يتسع صدر المخيم أكثر ؟  ولا نعلمُ إلى أين سنرحلُ أكثر ، لا نعلمُ ما يخبأُ المجهول لنا ، لا نعلمهُ ، خلف الحدود حدود أخرى لعالمٍ آخر ، لا نحلمُ بشيءٍ سوى ما نبتغي من عالمنا نحنُ ، هويّتنا وقضيتنا وعودتُنا إلى القرى حيث قبر الجدود وقبر الفرس البيضاء التي أصرت على الرجوع مثلما نصرُّ نحن اليوم وما زلنا نصرُّ غداً وما تبقّى فينا من أمل الرجوع إلى البلد.
النكبة تتجدد وتتكرر في لونٍ آخر وفي  مكانٍ آخر ، وليس في وسعنا سوى أن نقبض على اللحظة الهاربة والذاكرة ، لا نعرف النسيان ، فالنسيان عدوّنا الأول ، والذاكرة حليفتنا الأقوى في تعاملنا ومعركتنا مع النكبة ، ولكن لا شيء يبدأُ ولا شيء ينتهي والرهانُ هو الرهان على الزمن ، ونحن عاطفيّون جداً وأقوياء جدّاً لأننا ما زلنا على قيد الأحلام ، في كلّ نكبةٍ نحلمُ أكثر مما مضى ، ولكن يحقُّ لنا أن نصرخ أيضاً : ما أطول الليل . ما أطول الليل.
76 عاماً من النكبةِ ، تأتي وتذهبُ فينا " مخيم نهر البارد "  و " مخيم اليرموك "  صور الغروب والهروب / البقاء والرحيل /  الفناء والدماء / أيّار وأيلول ، ولم ننتهِ إذن ، ولم نبدأ بعدُ :
أيّارُ يا أيّارُ : عُدْت وَعادتِ الذكرى بقريتِنا ،
وعادتْ خلفنا الفرسُ ،
بيضاء كالروحِ الأخيرِ
وما تبقّى من جراحِ الأرضِ أرضُ المقدسيّةْ ،
أيّارُ يا جرحي البعيدُ
وموطني في موطنِ الأحلامِ
عشتُ هُناك ما عشنا ولا عشنا
إذا ما ظلّلتْنا " الغابسيّة " .


باسل عبد العال

"غسان كنفاني " الروح التي هزمت الطلقة



هذا هُو التاريخ إذاً 8/7/1972 ، كَانت الطلقة الحاقدة التي أصابت الجسد قد أخطأتِ الروحِ وتركت أثر الدم مِلء المكان وَلكنَّ الكَلام لا يَزالُ في تكوين الفكرة ، فكرة الوطن وفكرة الحريّة التي هي نفسَها المقابل وَهي التي هزمت كُلّ الطلقاتِ الحاقدة في زمن الإبادةِ ، إذاً كانَ غسّان وَصار غسّان الكامل بالفكرِ الصلب الذي يأبى الإنكسارِ والنسيانِ في حضرةِ موتهِ ،ومن جيلٍ إلى جيلٍ يولدُ فينا غسّان وَيعيدُ ترتيب الدّرس كمدرّسٍ وكمناضلٍ مُدافعٍ عن حقّ اللاجئين في العودة وترويضِ وحش اليأس والبؤسِ ، هكذا عَرفتُ غسّان وقرأتُ عنهُ ابن كل مُخيم وابن فلسطين الواحدة التي لا حدود لها كما هي في الروايةِ والحكايةِ واللوحة والقصة القصيرة هي نحن بكل تفاصيلها والقضية ، غسّان القضية التي ما زالت تحيا فينا ، في كُلّ عامٍ يَمرُّ يتجدّدُ فكر غسّان فينا ويبعثُ فينا طمئنينة الوطن وطمئنينة الأمل المرابط في سبيل حُلمٍ نحترمهُ ،
عشْتُ في فكرهِ منذُ الصغر حيث كانت أُمنيتي أن أكون فارساً كفروسيّتهِ وهو عائد إلى حيفا في خيالهِ الجامح نحوها وعائد إلى أرض البرتقال الحزين التي مَا زالت تنتظرهُ في كلّ "تمّوز " يأتي ، وهو قادمٌ إليها ثانيةً مع آلاف الشُهداء الأحياء ، من قبرهِ في شاتيلا يزداد الحلم ضوءاً ساطعاً حين يحتشد أطفال المخيم كي ينشدوا لهُ نشيد البلاد ونشيد المقاومة وبداياتها التي ما زالت تولدُ وتولدُ حتى يومنا هذا ، من غزّة إلى القدس إلى كلّ السجون حتى آخر الشهداء بالأمس حين ودّعناهُ على باب القدس وهو يعانق الغروب إلى شروقٍ آخر ، لا يزالُ الماضي يا مُعلّمي يعانقُ الحاضر حيث لا حاضر لنا بلا ماضٍ لكي نصنع من فِكر الشُّهداء غدنا المنتظر ، من قبركَ في شاتيلا يجتمعُ المخيم في حضرة الكلمات الأولى لأنّكَ ما زلت تروي روايتهم الحاضرة بيننا ومثلك أيُّها الحاضر الأول وأنت تملك الروح التي هزمت الطلقة حين مرّت كالغريبة ولكنّها لم تصب أيّ عضوٍ فيك بل عبرت خرساء من حقدها الجامح ، هل يموت مَنْ يحلم ؟؟ هل يموتُ حلمهُ الكامل ؟  ومنْ كتبَ الحكاية كُلّها هو لا يزالُ يُوثقُ تاريخ التراب في كتاب الذاكرة ، ولا يزالُ على قيد القراءة والقهوة والواجب الوطني ، مثلُك تماماً بحجم الوطن/ الأسطورة المتشبّث بالحصان الأبيض والكوفيّة وفلسطين التي تزهو بالألوان والمعنى ، فلسطيننا الحمراء / البيضاء / السوداء / الخضراء كالروح تضيء ليلنا الدّامي ، لا تقل لنا ما قلتهُ بالأمس إنّ كلماتكَ ما زالت تقرع جدران القلب وتينعُ في ما تبقى فينا من وعي ، فالنسمع إذاً ما هو الأجدر لنا أن نُغيّرَ ، لا أن ندمن خطأ المدافعين عنها ، لعلّنا ندركُ نشيد الصواب في مسيرتنا اللاهثة وراء ظلام المصير ، يا غسّاننا الحي لا تقل شيئاً إنّكَ الناطق المستمر فينا ،بلا ألمٍ يُعكّرُ صفو اللقاء ، بل إنهُ الفكر نغرسهُ لنحصُدَ قمح البقاء ، لا تقل ما قلتهُ لنا لأننا فقدنا أجمل ما فينا وخير ما فينا ، فقدناكَ ولكنّنا احتضنا معناكَ في حادث الموت السريعِ أو الإغتيال العابر الذي أخذك جسداً ولكنّهُ أخطأ في اسقاط الكلمة واللوحة البيضاء كالحمامة عن حائط الروح ، روحك العالية / قلمك الصاهل / شمسكَ المشرقة /  بحركَ الواسع ، كلُّ شيءٍ فيكَ أقوى من لحظةِ الإنفجار ، سيّدي يا شهيد اللغة الحبلى بالوطن ، مُعلّمي أيّها النشيد المدوّي دوماً على طريق الجلجلة ، لا تقلق على الحكاية هي ما زالت تمتدُّ بالمعاني حتى حدود الحرية ، لا تقلق على زمنٍ أجدنا العيش فيهِ رغم طيش الإنفجارات والشعارات ، رغم الضياعِ والتيهِ والسبيِ والغدر ، أحقّاً نحن الحكاية ؟؟ أحقّاً نحن الضحيّة التي أدمنت نار السوط ولم تحترق؟؟ لأنّها لا تريدُ الخضوع للجلاّد الذي لا يَزالُ يُصرُّ على اغراق الجسد في هوّةِ الدم ،  إذاً أنت لست وحدكَ بل أصبحت الجماعة / القضية التي كتبت ذاتها من ذاتها وليس عن ذاتها لكي تستطيع أن تكون المرآة لشعبٍ يُناضلُ من أجل استعادة صورتهُ المفقودة في الحرب ، وما هذا الغياب إلّا حضوراً كاملاً لروايتنا التي نحن أبطالها الخالدين ، وما هذا الغياب إلّا رمزاً أو شاهداً على ما حلّ فينا هنا أو هناك وفي الحالتين نحن الغرباء العائدين إلى أحلامنا والحنين كّلّما مررنا من كلماتكَ سافر بنا الشوقُ إلى سور عكّا على أجنحةِ الرجوع الذي لا رجوع عنهُ ، ولا بديل لنا سوى الحنين إلى كومةٍ من حنين التراب .
" غسان كنفاني " أيُّها العصي على الفناء ككتاب الأسطورة ، كالملحمة الخالدة في ضمير البشرية ، كالطفولة البريئة الحالمة بالغد الآتي في الحياة .

باسل عبد العال

6/7/2015 

عاشق من إفريقيا



كنتُ عائداً للتوِّ من حزنٍ مضى ، ثمّ أتى غيرهُ ليرقد فينا إنّهُ الشاعر العربي الكبير محمّد الفيتوري العاشق الإفريقيّ الذي لا يشبهُ أحد سوى وطنهِ ، هو ذاتهُ الشاعر الضّالعِ في حبِّ افريقيا وعروبتهِ ، يا لهُ من موتٍ كاملٍ ، يا لهُ من غيابٍ قصيٍّ للروحِ ، لروحهِ سلاماً ولكلماتهِ أهلاً .
محمّد الفيتوري يا صاحب الكلمات المشحونة بالحياةِ والحب المنبثقة من أرضٍ خصبةٍ ومن سماءٍ ماطرة ، ترحلُ اليوم على إيقاع القصيدةِ الثكلى التي خسرت شاعرها بالأمس واليوم تخسرُ شاعرها ثانيةً ، ومرةً أخرى نودّعُ هذا الجمال الذي كان فينا أجمل ما فينا ، وداعاً يا محمّد أيُّها الشاعر الفارس / الأب الروحي لحداثة الشعر الجديد ، يا صوت افريقيا وعروبتها الأصيلة التي لا تشبه سوى أرضها وناسَها ولُغتها الحية ، أيُّها الحي فينا والمولود للتوِّ من رحمِ افريقيا والراحل دوماً إليها ، فما أجملكَ وأنت لا تحبُّ سوى وطنكَ الذي كُلّما ابتعد عنكَ اقترب منكَ في الشعر والحب ،تراهُ يدنو إليك ، فكيف تشبهُ غيرك ؟ المنافي لا تشبهُنا يا محمّد ، فدوّن وجع النّوى ، فأنت الذي أضأت القبيلة بمصابيح الشعر والوعي الحالم في سبيل حلمك ،
 ها أنت ترحلُ اليوم من هُنا واقفاً والسودان العزيز يودِّعك بتحيّةٍ معطّرةٍ من أرضِ أمّكَ وصوت أُمّك وزهور أمّكَ ، سلاماً عليك يا محمّد سلاماً على الأغاني التي صدحت في ثنايا النفس والتي سكنت فينا ، سلاماً على الكلمات والأحلامِ في قلوب قرّائها ، فهل نشكركَ على ما تركت فينا من جمال الروح صوب الروح والإنسان ، علمتنا درساً من دروس الأدب الذي نشتهيهِ في روائع شعرك ، هكذا أنت / نحن يا محمّد ، فكم أنت ما عدت أنت ، فأنت نحن ،  صوتنا وصورتنا وجرحنا .
بين الأبنودي والفيتوري تعبرُ عاصفة الموت المفاجىء إنّهُ القدر قدر الشعراء اللذين لا يمتلكون سوى سيف اللغة إصراراً على البقاء الجماليّ على ورق الشجر حين يأتي الربيع فتزهر الكلمات فينا وتينع أغصانها في فجرنا المنتظر ، يرحل الشعراء في فصل الربيع يرحلون بصمتٍ أسيرٍ وموجٍ خفيفٍ كالوزنِ والقافية،
لم يمت صوتهم تماماً ، لم يغب وهجهم تماماً إنّهم هُناك في ما ارتكبت أصابعهم من حبٍّ يافعٍ من أجل الحق والحقيقة ، " أغان من إفريقيا " و " عاشق من إفريقيا"  هما حدود إفريقيا بهندسة الشعر في نبض محمد الفيتوري الذي يضخُّ في افريقيا دم العربيّ النابضِ في عشقٍ سُرمديٍّ في الوطن الذي نحلم فيه كما شئنا أن يكون ، ونزرع فيهِ ما شئنا من أمنيات ، لم تمت الأمنيات فيك بعد يا محمّد ،  هي ما زالت ملأى بالحياة ، وملأى بالحضور مثلك لا يرحلون بصمتٍ بل بضجيجٍ يتركوهُ خلفهم ،بضجيجٍ شعريٍّ صارخٍ في فضاء البلاغة ، ترحلُ جسداً وترجعُ شعراً جديداً يكمل درب الحداثة الى ما بعدها ، لا تتركنا وترحل ... عُدْ إلينا في زمانٍ ما ، عدْ في قصيدةٍ أخرى ، ما زلنا بانتظارك هناك على رصيف اللغة وبحرها الواسع كالخيالِ الرحب  ،  في شعرك ما تبقى من غدِنا ، في شِعركَ ما أصاب الواقع من خدوشٍ وجروحٍ ، فلا تتركنا وترحل ... نصاب بالحنين إليك ، فكم نحتاجُكَ ؟؟ كي نصلح ما حلّ فينا من كسورٍ أو نكوصٍ في صميم واقعنا الذي كتبتهُ لنا ، هو واقعنا الذي لا يستطيع قراءتهُ سوى الشعراء أمثالك ، هم اللذين يبصرون أكثر في هذا الواقع المر ، وأنت تمضي الآن ... إنتظرنا قليلاً ريثما تشرق الشمس في بلادنا أكثر ،
 ريثما يستيقظ أطفالنا من نومٍ طويلٍ ، ريثما نعي ما هو الشعر أكثر وما معنى أن نكون للشعر مخلصين ، نعم. قد أخلصت للشعر أكثر منّا ، وأنصت أكثر إلى ذاتك الحيرى ، وسألت بصمتٍ ،  أين أنا ؟؟... سؤالك يجرح ... ولكن يحقُّ لك ما لا يحقُّ لغيرك ليس فقط لأنّك الشاعر ولكن لأنّك أيضاً انسان ، ما زالت أرضك أوسع وشعرك أجمل وروحك أطيب ، فتقدّم ... سنكمل بعدك أغاني البلاد ... ونملأ بالحب أرضك ونملأ بالزهر قبرك .
 إنتظرنا قليلاً على درب المدن التي عبرت إليها والمدن التي غنّيتُها وأهديتُها قصيدة ، إنتظرنا يا محمّد.
أيُّها المحارب الجميل في وجه القبيحِ فينا ، نودّعك الآن بعدما خسرناك شاعراً ومحارباً جميلاً في معارك الحياة ،
نودّعُك الآن ... نودّع التاريخ الشعريّ الذي أصقلتهُ التجربة ،  تألّمت كثيراً ، فكتبت لتشفى بدواءِ الشعر تشفى يا محمّد ،
نُداوي جِراح الرّحيلْ ،
بشعرٍ جديدٍ وعشقٍ كبيرٍ
فها أنت تمضي جميلاً جميلْ ،
سلاماً عليك سَلام الصّهيلْ .



باسل عبد العال
25/5/2015

الأبنودي فلسطيني الروح..!!





نودّعُ شاعراً جديداً ينضمُّ إلى كوكبة الشعراء الراحلين الذين صوّبوا شعرهم دوماً في سبيل الحب والحياة والحقيقة ، اليوم هو شاعر مصر بل شاعر فلسطين وشاعر الأمة العربية وشاعر الإنسانية "عبد الرحمن الأبنودي" يرحل عنّا ليسكن فينا ، في الغياب حضورٌ آخر ، في النقصان كمالٌ آخر ،  لم ينقص الشعر كثيراً إنهُ إكتمل بحضور الغياب ، يحضرُ الشاعر في وجدان قارئهِ ، يصير الشعر رؤية وواقع ملموس لشاعرهِ ومبدعهِ ، يصيرُ الشعر هو البديل النّاطقُ باسم صاحبهِ والمسؤول الأوّل عن معنى الغائب .
عبد الرحمن الأبنودي يرحل من هُناك ولكنّهُ مازال هُنا ،يكتبُ ، ويقرأُ ، ويستمعُ لنشيد الفقراء ، ها هو يتأمّلُ ذاتهُ فيهم ومن شرفة بيتهِ في " الاسماعيلية "  يتنفسُ هواء مصر اللطيف كأهلهِ ، عاش هُنا ومات هُنا وما يزالُ الشعر يناديهِ ، بدونك يا " خال " شحّ الماءُ في حدائق الكلام .
افتقدناكَ يا عاشق " فلسطين" وحبيبها ، أيُّها الفقير / الغنيّ / " السلس / الشرس " ، لم نلتق مرّةً في كتابٍ ولكن يكفيني بأنّي حين قرأتكَ رأيتُ وطني ، كم نحن فيك ، كم أنت فينا ؟ يا شاعر الزمن الصعب ، لكنّكَ لم تستسلم لهُ بقيت تُهدي في كلّ قصيدة وردة وسط ازدحام الموت ، وسط انكسار الصوت ،  فقد أديتَ واجب الشعر على أكمل وجه من الأغنية حتى الأغنية ، آمنتَ بسلاسة القول وقداسة المعنى ، فانتصرت ،  وتألقت في سماءنا الأرحب ، أحببت القدس أكثر ، كم غنّيتَ لها ودعوتها أن تنام في أحضانك مرة وغفوت معها على وسادة الكلمات والحياة ، نطقتَ باسم الفقراء كلّ الفقراء الذين لا تنبض القصيدة بدونهم لأنهم جسد القصيدة وروح القصيدة ودم القصيدة النابض ، هكذا سلك الشعر سبيلهُ معك وأدى واجبه الذي يجب أن يكون .
هكذا كُلّما ودّعنا شاعراً تحتارُ لغة الوداع فيهِ ، ماذا نقولُ لك يا صاحب القول كلّهُ ؟؟ ، انقرض الكلام ونحن ذهبنا للصمتِ لفسحةِ الشرود العاطفيّ على خسارتِنا ، كم خسرنا أجمل ما كان فينا ؟ هو الحاضر حاضرنا يا عبد الرحمن ، وهو الموت قدرُنا والمصير مصيرُنا حيث لا يبق منّا سوى الجوهر جوهر الإنسانيةِ الباقي .وداعاً نقولُ ونضيءُ شمعة في هذا الليل الرديء ، وداعاً نقولُ ولا نقولُ على شاعرٍ يولد الآن من أرض القصيدةِ للقصيدة. فلا تذهبْ بعيداً بعيدا.
دع اللغة هي التي تكمل فينا ما غابَ منكَ ، هل يموتُ الشعراء تماماً ؟؟ وهل يرجعون إلى الزمان يوماً ؟؟ هو اختبارُ الشعر وهو سؤال الشعر وحاجتنا منهُ ، اليوم سقطت زهرة من زهورهِ في طقسٍ غائمٍ وسط الوجوم السماويّ يا " خال" ، سقطت زهرة وتفتحتْ أخرى على جمال الطبيعةِ والرمز والفكرة ، رحل الضوء وبقي الحلم يؤدّي دورهُ وسيرتهُ في ما نشتهيهِ من غدِنا ، من هُنا صاح النشيد وابتدأت الأغنية من رحم القوم إلى قلب شاعرها . سنغلق هذا الرثاء ونعودُ إلى كلماتكَ لكي نحيا فيك من جديد .
سنغلق كلّ أبواب الحزن والدمعِ ونمنح الروح روحاً جديدةً وشعراً جديداً ستظلُّ أنت فارسهُ وحصانهُ الصاهل باسم الحب ، سنغلق كلّ أبواب الليل ونفتح نافذةً واحدةً تطلُّ عليكَ ، سنرمي لك وردةً حمراء من شرفات الأرض التي أحببتها ، سلاماً عليك  يا صاحب " حبيبتي فلسطين " ، كم تحبّك فلسطين من شرقها إلى غربها حتى حدود المخيم ، مثلنا ودّعت " سميح القاسم " بالأمس ، ها هي اليوم تودّعكَ فلسطينكَ على ايقاع الشهداء ، وداعاً يا شاعرنا وداعاً .


باسل عبد العال

دراسة بحثية عن العطر في الشعر العربي نشرت في مجلة بيت الشعر

تفوحُ من القصائد رائحة العطر حين تبدأُ العلاقة الحميمة بين الشعر والمكان أو حين نلاحظ هذا الترابط الجميل بين الشاعر وبين بيئتهِ ، حنينهُ وذكراه ، نلاحظ من هُنا طريقة استخدام الشاعر للعطر في شعره والتعامل معهُ كرمز شعري لهُ دلالاته ومعانيه وأصالته حيث تكمن فيه أصالة البلد والمكان والهوية ، أليس للمدن رائحة ؟ لدمشق رائحة الياسمين ، لبيروت رائحة القهوة والبحر ، لأبوظبي رائحة العود والحب والدفء ، من هنا يؤدي الشعر دورهُ في التصوير اللغوي في حضرة العطر ، إذ نلاحظ شعراؤنا في الإمارات والخليج وهم يبحون بسرّ هذا الجمال الساحر والمعطاء والملهم لهم في آن.
نذكر هنا مقطع من قصيدة "  أحبك زود "  للشاعر الاماراتي مانع سعيد العتيبة يقول فيها :
نسايمك العليله عطر هبّت      اوحسّيت بمسره وسعاده

سقى الله دار للمحبوب ربّت       مثل ماهو سقاني من وداده

هشيم القلب بالريحان نبّت           اودعاكم لوتكرمتوا لحصاده

هذه النسائم العليلة التي هبّت أي فاحت وباحت في منظور الشاعر وإحساسهُ فيها وما يدور في خاطره من سعادة أو حب منتظر يبشر بقدوم المحبوب إليه ، أليس العطر هو الذي يسبق الشخص الآتي ؟ فكيف إذا كان المحبوب هو ما ننتظره بفارغ الصبر ؟ والقلب الذي كان هشيماً فأصبحت أرضهُ خصبة ينبتُ فيها الريحان ، فيدعو الشاعر هنا بالكرم والحصاد بعد ما أينع الريحان وفاح عطرهُ ملء المكان ، هكذا ارتبط الحب بالعطر وعشش في هاجس الشاعر العاشق الباحث عن شفاء للقلب ، لعلهُ يكون دواءهُ بالعطر.
والعطر أيضاً ذاكرة ترجعنا إلى دفء المكان الأول وربما إلى الوردة الأولى التي منها يولد العطر ، وقد ذكر الشعراء كثيراً هذه الروحانية التي تستمد جمالها وسحرها من الطبيعة بما تحتويه من شجرٍ وثمرٍ وزهرِ وعطور على مختلف أنواعها ورمزيّتها المختلفة التركيب والتشبيه في المفردة الشعرية ، مثلاً عند الشاعر الإمارتي محمد عبد الله البريكي نرى العطر بصورةٍ أخرى : من قصيدة  «ستنتهي الحرب»  يقولُ فيها :
أنا النواسيُّ علَّقتُ النجومَ على                         
زجاجةِ الكشفِ حتى اسّاقطت ثمرةْ
أدمنتُ كأسَ الأغاني كيْ أُعَلِّمَهُ                          
أنَّ الأحاسيسَ أنثى في الهوى سَكِرَةْ
وأنها حين مادت أمطرت وجعا                         
وحولت ثديها في أحرفي مطرة
لذا أفضّلُ أن يبقى على لغتي                               
وردٌ إذا مسَّ روحاً أصبحت عطِرَة
في البيت الأخير نلاحظ  استخدام الورد الذي إذا مسّه الروح فأصبح عطراً كما يفضّل الشاعر أن تكون لغتهُ نابضة كالروح ومزهرة بالعطر لأنهُ يرمز هُنا إلى الروح الحي الذي ينبع بالحياة لتبقى اللغة على قيد العطاء والتنفس المستمر ، ونحن نسأل ماذا لو لم يمسّ الورد الروح ؟ هل سيصبح مصيرها الموت أم حالة فقد بلا رائحة ولا عطر يفوح ؟ إذن ، هنا يكمن المعنى في هذا التركيب الجميل للبيت الشعري ، وفي الأبيات السابقة أيضا حافظ الشاعر على الترابط في المعنى أيضاً مثلاً : ثمرة ،  سكرة ،  مطرة ،  عطرة ، ليس فقط بقافية " التاء المربوطة"  بل أيضا بالطبيعة وهو لم يبتعد عن المعنى والمبتغى وعن العلاقة الشعرية بينهما ، وأيضاً مثل : الأنثى " وهي لها علاقة بالعطر أيضاً"  وذكر " الأحاسيس"  كذلك الأمر " ثديها "، "زجاجة " ، " الهوى"  وهو ما زال الأقرب إلى معنى العطر حتى آخر البيت.
وعند الشاعر نفسه في قصيدة أخرى أيضاً " بالعامية" وتحمل عنوان : " غرشة عطر " يصف العطر بطريقته الخاصة وبرؤيته الشعرية ، نذكر بعض الأبيات منها :
تعرْف انك إذا مريتني نبضي يصير قنـــاد 
واذا ما حرّكت أطراف ثوبك ذبت بثيابـــي
واذا عديت عن نبضي أغني للشقـا أبعــاد
واغنّي لك شبيه الريح والقى الريـح باهدابي
تعال ارمي على صدري عتاب الذنـب للجلاد
ولك مني وعد صادق أليـّـن قلبه افبابــي

ويتميز الشعراء في اختيارهم وتراكيبهم الشعرية للعطر بمواضع ومشاهد شعرية أخرى ، فتارةً تأتي ملأى بالحب والإنتظار تناشد المعشوق وتحنُّ إليهِ بحنين الرائحة ، وتارةً أخرى مبشرة بالحياة تناشد الجمال والطبيعة وعظمة الخالق سبحانه ، أما عند الشاعر السعودي الدكتور غازي القصيبي الذي ذكر أيضا العطر بذوبانية شعرية طافحة :
تعالي دقائق نحلم فيها      بنافورة من رذاذ القمر
بأرجوحة علقت في النجوم      بأسطورة من حديث المطر
بكوخ على الغيم .. جدرانه     ظلال . وأبوابه من زهر
بخيمة عطر .. يعب الغروب     شذاها ويسكر فيها السحر

بهذه الشعرية الهادئة والرومنسية التي أضاءت على الحب بخيالٍ جامحٍ يأخذنا إلى زهو العشق وقداستهِ وسحريتهِ التي عطرها الشاعر بتشبيه قارورة العطر بالخيمة ويعب الغروب شذاها ويسكر فيها السحر كما ذكر الشاعر الحالم هو ومعشوقتهِ التي يناشدها أن تقترب إليه وأن يحلما معاً بأن يسكنا بخميةِ عطر تملأ أرجاء الغروب بشذاها ويسكرهم فيها السحر ليكتمل وهج الحب هنا في هذه الأبيات الحالمة المحلقة في معنى العطر الذي ظهر كأنه جزء لا يتجزء من هذا الحب الأسطوري في قلبهم وهم يدخلون في بوابةٍ من زهر إلى عالمٍ أكثر جمالاً وحباً وحياة.

ومن ناحيةٍ أخرى يطلُّ علينا الشاعر الاماراتي سيف المري بأنشودةٍ سلسةٍ وعابقةٍ برائحة العطر الذي ملأ أبياتها بسحرٍ خفيٍّ  يشبه النسيم على أوراق الشجر ، من قصيدة " سر السعادة " يقول فيها :
اعتلَّ بالنرجس النسيم       فراح في شوقه يهيمُ
نشوان بالعطر والأماني      لطيبه يبرأ السقيم
لومر يوما بجنب قبر        يحيا به عظمه الرميم
وللعصافير رجع لحن      يذيعه صوتها الرخيم
مبارك طلعُها هَضيم _  والظل تحت النخيل دان
فالطيب والماء والمغنّى      والحسن والملك والنعيم
يبدأ الشاعر قصيدتهُ بالزهرة " النرجس" حين اعتلّها النسيم ومرّ بها وهام بالشوق حتى أصيب بنشوة العطر وبالأمنيات فيه لكي يشفى من مرضهِ ، وهنا اتضحت رمزية العطر تماماً  كأنه الدواء الذي يشفي من السقم ربما من الأصالة والطيبة والرائحة التي بها تشتعل العواطف بالأمنيات فيمسك الشاعر بذكرياته خوفاً عليها من التلاشي في السقم والنسيان والفناء، ثم تعود العصافير إلى غنائها ويحتضن النخيل شاعرنا في ظلالهِ حيث الماء والغناء والنعيم وسر الحياة، وأيضاً جاء عنوان القصيدة " سر السعادة "  ليأكد أكثر على مضمون السعادة في رؤية شاعرنا وسر أسرارها التي ذكرها مفتتحاً قصيدتهُ بها كمصدر العطر الأول هي " الزهرة "  التي تصنع سعادتهُ الباحث عنها في القصيدة.
هكذا يمسي الفرح صنو العطر ورفيق درب شعرائنا وربما وسيلة للعبور إلى الإباء والنقاء والحلم الإنساني المحدّق نحو الطبيعة بما فيها من جمال ومن نعم الخالق سبحانهُ ، للمكان رائحة تختلف عن مكانٍ آخر لأن العطر هوية تحتاج منا الكثير من التشبث بجذورها للمحافظة على أصالتها كأصالة الشعر.

باسل عبد العال

10/06/2015